الشريف الرضي
97
المجازات النبوية
64 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام : " إن قوما يضفرون ( 1 ) الاسلام ، ثم يلفظونه ( 2 ) " ، وهذا القول مجاز ، لان المراد أنهم يلقنون الاسلام ويعلمونه ، فيتناسونه ويفارقونه كالذي يلقم الشئ ، فيدسع ( 3 ) به ، ولا يسيغه إلى جوفه . وذلك مأخوذ من قولهم : ضفرت البعير أضفره ضفرا : إذا لقمته لقما عظاما . وقد يجور أن يكون مأخوذا من قولهم : ضفر الرجل الدابة يضفرها ضفرا : إذا ألقى اللجام في فيها ، والمعنيان متقاربان ( 4 ) . 65 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام : " يمين الله
--> ( 1 ) الضفر : بفتح الضاد وسكون الفاء : إلقاء العلف في فم الدابة ، ويقال : ضفر الدابة يضفرها بكسر الفاء في المضارع : ألقى العلف في فمها ، والفعل هنا مبنى للمجهول ، والأصل إن قوما يضفرهم قوم الاسلام ، فحذف الفاعل وأسند الفعل إلى المفعول . ( 2 ) يلفظونه : يقال لفظ الشئ بكسر الفاء : إذا رماه . والمعنى أنهم يخرجونه عن أفواههم ، ومن ذلك الكلام الملفوظ به لأنه أخرج من الفم . ( 3 ) دسع يدسع : من باب منع بمعنى دفع ، والتقدير في كلام الشريف يلقم الشئ : أي يوضع الشئ في فيه ، فيدفع به ويرميه من فيه . ( 4 ) ما في الحديث من البلاغة : في الحديث استعارتان تبعيتان ، حيث شبه تعليم الاسلام للناس بالضفر ، وهو إلقاء العلف في فم الداية ، وشبه تناسى الناس للاسلام ومفارقته بلفظ الشئ من الفم ، واشتق من الضفر يضفرون بمعنى يلقنون ويعلمون ، ومن اللفظ يلفظون بمعنى يتناسون ، ويفارقون على طريق الاستعارة التبعية ، ويجوز أن يكون في الحديث استعارة تمثيلية حيث شبه الناس الذين يلقنون القرآن ثم يتناسونه بهبة الدابة التي يوضع العلف في فمها ثم تلفظه ، بجامع محاولة الشئ وعدم قبوله ، فوجه الشبه هبتة منتزعة من متعدد .